أرسطو
50
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
ما يفعل فليس بمجرم ولا بمسئول أمام الناس ولا أمام اللّه . وحينئذ بهذه المثابة لا تكون الفضيلة والعلم متماثلين ، فقد يعلم الانسان ولا يعمل ، وقد يعمل ضدّ ما يعلم . ثم أليس من الخطر البسط من الاعتقاد بأن في هذه الدنيا العلم هو العمل ، وأن التفكر هو الفعل ، وأن النظرية بلا عمل تكفى في تحقيق الفضيلة الكاملة ؟ إذا كانت الفضيلة في الواقع هي العلم ، وجب على الانسان أن يقتصر على أن يعلم ليكون فاضلا . وبذلك تتضاءل الحياة الأخلاقية إلى مجرّد النظر والتأمل ، أو تصبح الواجبات البينة الضرورية في هذه الدنيا على خطر الزوال والفناء في ذلك الواجب التصوّرى الذي تخلقه قريحة المرء كلما شاءت . أعترف بأنه لا شئ أبعد عن فكرة سقراط وعن الأمثلة التي ضربها هو بشخصه من هذه النتائج ، ولكن مبادئه فوق ما فيها من المشكلات تستتبع هذه النتائج السيئة ، التي مهما كانت بعيدة فقد أتى زمان أخذت فيه عقول قليلة الحكمة تفصّل في هذه الأصول الخطرة تفصيلا ، فأصبح العلماء اللاهوتيون بالإسكندرية يلقبون أنفسهم بأنهم الأتباع الجدد لأفلاطون دون أن يكون ذلك بعيدا جدا عن الصواب . غير أنى أتعجل الآن طي بساط الانتقاد ، وأعود إلى مقام الاعجاب الذي لن أتركه بعد أبان أفلاطون أن الفضيلة لا تتحقق بعمل فاضل واحد ، ولكن لتكون حقيقية ينبغي أن تكون نتيجة لماض عملىّ طويل إنها - كما يقول - « توافق العادة والعقل » ولقد رأى أيضا أن الفضيلة نوع من الوسط ، وأن آمن طريق يسلك - ما دام الطبع الانسانىّ كما هو - هو الذي يبعد به عن النهايات . إنه يأمر بالاعتدال الذي « باعتباره في ذاته ليس له كبير معنى ولا يستحق أن يتكلم عنه » . لكنه مع ذلك هو الذي يجعل الحلال الأخرى ذات قيمة أو عديمة القيمة . فان ترك الحرية التامّة